محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
346
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
قال الكلبي ومقاتل : كان موسى قد وعد بني إسرائيل إذا خرجوا من مصر يأتيهم بكتاب من عند اللّه فيه ما يأتون ويتّقون ؛ فلمّا جاوز موسى ببني إسرائيل البحر وأغرق اللّه فرعون وقومه قالوا : يا موسى ! ائتنا بما وعدتنا ؛ فعجل إلى ربّه وواعدهم أربعين ليلة . قالا : وقطع موسى بهم البحر يوم عاشوراء ؛ فصام يومئذ شكرا للّه تعالى ؛ وعلى هذا ينبغي أن يكون انطلاقه إلى الطور بعد عاشوراء بعشرة أشهر . قرأ نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي : واعدنا بالألف ؛ وقرأ أبو جعفر وشيبة وأبو عمرو بغير ألف . قال أبو عبيدة : وهي القراءة التي يختارها لانفراد الربّ سبحانه بالوعد ؛ والقراءة الأولى هي قراءة ابن مسعود ؛ ومن قرأ بالألف قال : قد تجيء المفاعلة من واحد ، كقولهم : عاقبت اللص ، وعافاني اللّه ، وسافرت ، وطارقت النعل . وقال الزجّاج : واعدنا هاهنا حدّ ؛ لأنّ الطاعة في القبول بمنزلة الوعد ، وكان من اللّه الوعد ومن موسى القبول ، وأيضا فلا امتناع في إطلاق القول بأنّ الإنسان يعد ربّه ، كما قال : بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ قال : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ ، والعهد كالوعد . وإنّما ذكر الليالي دون الأيّام ؛ لأنّ شهور العرب وضعت على سير القمر ، والهلال إنّما يهلّ بالليل ؛ وفي بعض التفاسير إنّما قال : أربعين ليلة لئلّا يتوهّم أنّه يحلّ له الإفطار بالليالي ، فصام تلك الأيّام وصالا من غير أن ذاق شيئا ، قاله أبو بكر النقّاش . وقوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ أي اتّخذتموه إلها ومعبودا من بعد موسى ، أي بعد انطلاقه إلى الموعد ؛ فحذف المفعول الثاني للاتّخاذ ، لوضوح المعنى . وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي واضعون العبادة في غير موضعها ؛ فظلمتم أنفسكم وأهلكتموها وعرضتموها للعقاب . قال المفسّرون : إنّ موسى - عليه السلام - لمّا انطلق إلى الجبل واستخلف ( 150 ب ) هارون على قومه وكان قد واعدهم أربعين ليلة وكانت بنو إسرائيل أخلفوا الوعد ، فعدّوا اليوم والليلة يومين ؛ فلمّا مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى قالوا : قد أخلفنا موسى الوعد ؛ وكان السامري صاغ لهم جسدا على صورة العجل وله خوار ؛ فقال لهم : هذا إلهكم